علوم

كيف يعيد العلماء صياغة المستقبل بلمسات حيوية فطرية... النحل يتفوق على الـ GPS

كيف يعيد العلماء صياغة المستقبل بلمسات حيوية فطرية... النحل يتفوق على الـ GPS

في تطبيق رائع لمحاكاة الطبيعة Biomimicry التي تناولناها في مقال سابق، يعلم النحل بعبقريته الفطرية البشر وخصوصا المهندسين، ومنها السر الأكبر في كيفية التنقّل لمسافات طويلة والعودة إلى خليته بدقة مذهلة، من دون الاعتماد على الأقمار الصناعية أو الخرائط الرقمية أو أي توجيه خارجي، ولكنه بالمقابل يعتمد على قراءة أنماط استقطاب الضوء في السماء، إضافة إلى إحساسه بحركته وسرعته، ما يسمح له بتحديد موقعه وعدم الضياع، حتى لو انتقل لمسافات طويلة تصل إلى ما يزيد عن عشرة كيلومترات، وبالمقابل يمكنه تحديد طريق عودته بطريقة مستقيمة نحو الخلية.


وقد لفت هذا السلوك الطبيعي انتباه الباحثين في دول أوروبية عدة ضمن مشروع InsectNeuroNano، وهو واحد من أكثر المشاريع العلمية طموحاً؛ إذ يمثل ذروة التعاون بين علم الأعصاب الحيوي وتكنولوجيا النانو. يهدف المشروع أساساً إلى إجراء 'هندسة عكسية' لدماغ الحشرات -كالنحل والنمل- لإنشاء أنظمة ذكاء اصطناعي وأجهزة حاسوبية متناهية الصغر تعمل بكفاءة الطبيعة ذاتها. ويسعى العلماء عبر 'الحوسبة العصبية"Computing  Neuromorphic إلى زرع عبقرية الملاحة الكامنة في دماغ النحلة، الذي لا يتجاوز حجمه حبة السمسم، داخل شريحة إلكترونية مجهرية. تهدف هذه الجهود إلى سد الفجوة الهائلة في الكفاءة؛ فبينما تزن أخف رقاقات الملاحة الحالية عشرات الغرامات وتستهلك طاقة عالية، لا يتجاوز وزن النحلة غراماً واحداً، ويعمل دماغها بطاقة ضئيلة للغاية لا تكاد تُذكر."


 


ولمعالجة ذلك، اختار الباحثون نهجًا مختلفًا جذريًا: بدل تصميم معالج متعدد المهام، يتم تطوير شريحة تؤدي مهمة واحدة فقط، هي تحديد الموقع اعتمادًا على الضوء والحركة. هذا التصميم "الصلب" مستوحى مباشرة من طريقة عمل أدمغة الحشرات مثل النحل والنمل، ما يسمح بكفاءة طاقة عالية وحجم بالغ الصغر.


وتعتمد النحلة في ملاحتها على "بوصلة سماوية"(Celestial Compass)  تُعد واحدة من أعظم المعجزات البيولوجية؛ فالسماء بالنسبة لها ليست مجرد فضاء أزرق، بل هي خريطة هندسية دقيقة لا يراها البشر. فعندما يخترق ضوء الشمس الغلاف الجوي، فإنه يصطدم بجزيئات الهواء ويتشتت في اتجاهات محددة، مما يخلق نمطاً هندسياً من "الضوء المستقطب" يحيط بالشمس في دوائر غير مرئية لنا. وهنا تبرز عبقرية النحل الذي يمتلك في الجزء العلوي من عينه مستشعرات متخصصة تعمل كعدسات مستقطبة فائقة الدقة، تميز زاوية تذبذب الضوء في كل نقطة من السماء حتى لو كانت الشمس محجوبة خلف الغيوم، مما يسمح لدماغها باستنتاج موقع الشمس بدقة رياضية وتحديد الاتجاهات الأصلية بيسر.


ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تقوم النحلة بدمج هذه البيانات مع "التدفق البصري" الناتج عن سرعتها وحركتها، لتصل إلى ما يُعرف بـ "تكامل المسار" (Path Integration) أو الملاحة بنظام النواقل. وفي هذه العملية، يقوم الدماغ بدمج زاوية الشمس مع عدد رفرفات الأجنحة، لينشئ خريطة ذهنية تسمح لها بالعودة إلى خليتها في خط مستقيم مهما كان مسار رحلتها متعرجاً.


ويرى العلماء أن هذه التقنية الطبيعية تمهد الطريق مستقبلًا لابتكار روبوتات متناهية الصغر و"طائرات مسيرة"  Drones  قادرة على العمل في أسراب والتنقل ذاتياً في البيئات المعقدة دون الحاجة إلى نظام GPS، في خطوة جديدة تُظهر كيف بدأت الهندسة الحديثة تقترب أكثر من حلول الطبيعة نفسها.


وفي الختام، تظل الطبيعة تملك حلولاً أكثر كفاءة واستدامة من أعقد ابتكاراتنا البشرية، فكلما اقتربنا من فهم أسرارها، اكتشفنا أننا لا نبتكر شيئاً جديداً تماماً، بل نعيد صياغة حلول عبقرية تمارسها الكائنات الحية منذ ملايين السنين.


 


ملاحظة: تم إعداد هذه المقالة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وتمت مراجعتها وتحريرها يدويًا من قبل محرر من "زوايا ميديا" لضمان دقتها ووضوحها.

سوزان أبو سعيد ضو

سوزان أبو سعيد ضو

Managing Editor

ناشطة بيئية وصحافية متخصصة بالعلوم والبيئة

تابع كاتب المقال: